لن يستطيع أحد أن يضيف شيئا ذا بال لتقرير “الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي” الصادر في حق الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي الشرعي. ذلك التقرير الذي كتبه خمس خبراء حقوقيين هم تركيبة الفريق الذين تم اعتمادهم من مجلس حقوق الانسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة.

لقد تم تأسيس مؤسسة الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي من طرف مجلس حقوق الإنسان سنة 1991، وأعطيت لها صلاحيات متابعة احترام الدول للاتفاقيات المعتمدة والموقعة عليها وكذلك تلقي الشكاوى الفردية التي لها علاقة بالاحتجاز التعسفي. وهي تحمل من القوة المعنوية والموقع الحقوقي الدولي ما يجعل تقاريرها وقرارتها تكتسي رغم صبغتها الاستشارية قيمة دولية كبيرة باعتبارها “أحكاما” على إجراءات التعامل تبطل في صورة إدانتها كل ما ينجر عنها.

لقد درس الفريق العامل شكوى الشيخ راشد من احتجازه تعسفيا مدة أزيد من عامين، وانتهى في الأخير بإصدار تقريره الذي يدين إدانة كاملة لا لبس فيها الحكومة التونسية في تعاملها مع الشيخ راشد، ويطالب الحكومة التونسية بالإفراج الفوري عنه ورد الاعتبار له.

إن تقرير الفريق العامل الذي تم صياغته باحترافية عالية وبمسؤولية أعلى وبمنهجية صارمة قد أسقط كل التهم التي على أساسها تمت عملية الاحتجاز التعسفي وبالتبعية الأحكام الظالمة التي صدرت لحد الآن في حقه.

إن التقرير تتجاوز نتائجه الجانب الحقوقي لتدين النظام الحاكم إدانة كاملة، خاصة وأنه تهرب من الرد على مراسلات الفريق العامل الاستفسارية، مما يؤكد فقدانه للمبررات التي تبرر سلوكه غير القانوني بحسب القانون التونسي وبحسب المواثيق الدولية، وفي نفس الوقت وضع نفسه في خرق فاضح لما تلزمه بها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان التي أمضت الدولة التونسية عليها وبالتالي إلزامها لذاتها باحترامها واحترام مؤسساتها.

إن صدور هذا التقرير من مؤسسة أممية، ينزع ورقة التوت الأخيرة على ممارسات النظام غير الشرعية وغير القانونية، ويرقى بالإدانة لسلوكه إلى الإدانة الأممية من طرف أحد أهم مؤسسات الأمم المتحدة وهو مجلس حقوق الإنسان.

منذ احتجازه التعسفي والشيخ راشد يتلقى الدعم تلو الآخر من المؤسسات العالمية الحقوقية والسياسية والأكاديمية بمختلف مجالاتها واختصاصاتها، وكذلك من الشخصيات العالمية المرموقة شرقا وغربا، ولم تتوقف العرائض التي تطالب بالإفراج عنه ورد الاعتبار له، وما هذا التقرير إلا تتويج لكل تلك الجهود بل وتصعيد عالمي يزيد من الإدانة الدولية للنظام التونسي.

لا شك أن الاحتجاز التعسفي وكل ما صحبه ولحقه لحد الآن من أضرار في حق الشيخ راشد لا تليق في حقه، لكنه يتلقاها بنفس عالية مطمئنة وواثقة برسالتها وبمسيرتها التي لم تفكر إلا في صالح الوطن والأمة والإنسانية.

لقد أعطى زهرة شبابه وطاقة كهولته وحكمة شيخوخته لخير الانسانية، فكرا نيرا، وعملا بانيا، وسعيا في المصالحات والتوافقات بين بني الإنسان أينما كانوا، ولقي بسبب ذلك الثناء في العالمين. لقد سعى إليه المتخاصمون أفرادا ومنظامات ودولا بحثا في حكمته عما يصلح حالهم، وانتهى إليه المتنابذون يستمعون إلى ما أفاء الله به عليه من الحكمة وفصل الخطاب. وشهد لعطاءات عقله العلماء والمفكرون، وأقر بشجاعته وذكائه في اقتحام أعقد المسائل أهل السياسة من مختلف مشاربهم.

إن الشيخ وأمثاله في تاريخ أمتنا والانسانية لا تزيدهم الابتلاءات إلا ثباتا، ولا تزيدهم إلا إقرارا متزايدا من الناس بعلو همته وسداد حكمته وسلامة طويته، فيزدادون له تقديرا وحبا. وكثيرون من خصومه يشعرون أمام ثباته وعفة لسانه وصبره وجلده بوخزة ضمير إذ شيطنوه وهو أبعد الناس عن ذلك. أما من طبع الله على قلبه فإن كل دقيقة تمر على ثباته، وكل لحظة تمر وهم يشهدون اجتماع الناس عليه وحوله، كل دقيقة وكل لحظة تزيد نار ضلالهم اشتعالا، فتحرق ما تبقى في قلوبهم شعور إنساني. وهو ينظر إليهم بإشفاق إذ لا مكان للشماتة عنده حتى مع خصومه وأعدائه …

Leave a Comment